ابن أبي أصيبعة
230
عيون الأنباء في طبقات الأطباء
قال : وأعظم هؤلاء الفلاسفة قدرا عند اليونانيين ، خمسة . فأولهم زمانا : بندقليس ، ثم فيثاغورس ، ثم سقراط ، ثم أفلاطون ، ثم أرسطوطاليس بن نيقوماخس . أقول « 1 » : وسنذكر جملا من أحوال هؤلاء الخمسة ، وغيرهم ، إن شاء اللّه تعالى . بندقليس : قال القاضي صاعد : إن بندقليس كان في زمن داود النبي عليه السلام ، على ما ذكره العلماء بتواريخ الأمم . وكان أخذ الحكمة عن لقمان « 2 » الحكيم بالشام ، ثم انصرف إلى بلاد اليونانيين . فتكلم في خلقة العالم بأشياء يقدح ظاهرها في أمر المعاد . فهجره لذلك بعضهم ، وطائفة من الباطنية « 3 » تنتمى « 4 » إلى حكمته ، وتزعم أن له رموز أقل ما يوقف عليها « 5 » . قال : وكان محمد بن عبد اللّه بن [ مسرة ] « 6 » الجبلي الباطني من أهل قرطبة « 7 » كلفا
--> ( 1 ) القول هنا لابن أبي أصيبعة . ثم يعود للنقل عن القاضي صاعد في كتابه طبقات الأمم . ( 2 ) لقمان الحكيم : هو لقمان بن باعوراء ، ابن أخت أيوب ، أو ابن خالته ، أو من أولاد آزر . قيل عاش إلى مبعث داود عليه السلام : وأكثر أقوال العلماء أنه كان حكيما ، والآراء مضطربة في أصله . فهو نوبى ، أو حبشي ، أو أسود من السودان ، أو عبرى . والجمهور على أنه لم يكن نبيا . [ المنتخب في تفسير القرآن ، ص 613 ، الطبعة 17 ، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية ، القاهرة 1993 ] . ( 3 ) الباطنية لا تعد من فرق ملة الإسلام ، بل هي من فرق المجوس . فالذين وضعوا دعوة الباطنية مجوس كانوا مائلين إلى دين أسلافهم ولم يجسروا على إظهاره خوفا من سيوف المسلمين . فهم في الباطن على تفضيل أديان المجوس ، وتأولوا آيات القرآن الكريم ، وسنن النبي عليه السلام على موافقة أسسهم . ومن الذين أسسوا دعوة الباطنية « ميمون القداح » وكان مولى لجعفر بن محمد الصادق ، وكان من الأهواز . ومنهم محمد بن الحسين الملقب ب دندان » . وقد بدأت الدعوة في ناحية توز ، فدخل في الدعوة جماعة من أكراد الجبل . ثم رحل ميمون إلى ناحية المغرب ، ثم ظهر في دعوته إلى دين الباطنية « حمدان بن قرمط » إليه تنسب القرامطة . وتطلق الباطنية على فرق عدة كالإسماعيلية ، والقرامطة ، والخرامية . وهم يجعلون لكل ظاهر باطنا ، ولكل تنزيل تأويلا ، وكانت لهم دعوة في كل زمان ومكان جديدة بكل لسان . انظر [ الجرجاني : التعريفات ، ص 21 ، طبعة الحلبي 1357 ه / 1938 ؛ الفرق بين الفرق : عبد القاهر بن طاهر البغدادي التميمي ، تحقيق : محمد محيي الدين عبد الحميد ، ص 22 ، الملل والنحل ج 2 ص 29 ؛ فخر الدين الرازي : فرق المسلمين والمشركين ، ص 76 وما بعدها ] ( 4 ) في ج ، د « تنهى » . ( 5 ) بهامش ج ما نصه : « علم في هذا ، أن المعتزلة لهم سلف قديم من إنكار زيادة الصفات على الذات ، والفلاسفة كلهم على هذا الرأي . ولنا من رسالة أسلفنا فيها القول على هذه المسألة . حسن عطار » . ( 6 ) في الأصل « مرة » ، د « ميسرة الجيلى » . والمثبت الأصح من ج . وهو : فيلسوف الأندلس وقرطبة ، محمد بن عبد اللّه بن مسرّة الجبلي ، المتوفى 319 ه . درس الفلسفة اليونانية والتصوف الإسلامي في الأندلس . ودرس على الفقيهين المالكيين محمد بن وضاح ، والخشفى . ثم عاد مع بعض التلاميذ إلى ضيعة منعزلة في جبل قرطبة . ولكن مذهبه القائم على ميتافيريقا أنبادقلس ، أثار ريبة فقهاء قرطبة . وأثارت كتبه ريبة المالكية ، فأحرقت علنا . [ بروكلمان : تاريخ الأدب العربي ، ج 4 ص 153 ] . ( 7 ) قرطبة : هي مدينة عظيمة ، إحدى عرائس مدائن الأندلس . وبها كانت ملوك بنى أمية . [ ياقوت ، معجم البلدان ج 4 ص 324 ؛ المغرب في حلى المغرب : تحقيق د . شوقى ضيف ، ج 1 ص 37 ، ط 3 ، دار المعارف القاهرة 1978 ] .